ابن أبي الحديد

405

شرح نهج البلاغة

وقد روى عن ابن عباس أنه تأول آية ، فقال قائل من الصحابة : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) ، فقال ابن عباس : ( والراسخون في العلم ) ، وأنا من جملة الراسخين . ثم نعود إلى تفسير كلام أمير المؤمنين عليه السلام فنقول : إنه غضب وتغير وجهه لقول السائل : صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا ، وإذا هذا المعنى ينصرف وصية له بما أوصاه به من اتباع ما جاء في القرآن والسنة ، وذلك لان العلم الحاصل من رؤية الشئ عيانا ، علم لا يمكن أن يتعلق مثله بالله سبحانه ، لان ذاته تعالى لا يمكن أن تعلم من حيث هي هي ، كما تعلم المحسوسات ، ألا ترى أنا إذا علمنا أنه صانع العالم ، وأنه قادر عالم حي سميع بصير مريد ، وأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، وعلمنا جميع الأمور السلبية والإيجابية المتعلقة به ، فإنما علمنا سلوبا وإضافات ، ولا شك أن ماهية الموصوف مغايرة لماهية الصفات ، والذوات المحسوسة بخلاف ذلك ، لأنا إذا رأينا السواد ، فقد علمنا نفس حقيقة السواد لا صفة من صفات السواد ، وأيضا فإنا لو قدرنا أن العلم بوجوده وصفاته السلبية والإيجابية ، يستلزم العلم بذاته ، من حيث هي هي لم يكن عالما بذاته علما جزئيا ، لأنه يمكن أن يصدق هذا العلم على كثيرين ، على سبيل البدل ، وإذا ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل البدل ، ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل الجمع ، والعلم بالمحسوس يستحيل أن يصدق على كثيرين لا على سبيل الجمع ، ولا على سبيل البدل ، فقد بان أنه يستحيل أن يعلم الله تعالى كما يعلم الشئ المرئي عيانا ، فأمير المؤمنين عليه السلام أنكر هذا السؤال كما أنكره الله . تعالى على بني إسرائيل لما طلبوا الرؤية ، قال تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة .

--> ( 1 ) سورة البقرة 55 .